محمد حسين علي الصغير
36
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم » . فهؤلاء في حالة وجود الحجاب الحاجز بين أهل الجنة وأهل النار ، وهناك السماك المرتفع الذي يطل منه أصحاب الأعراف على الجمع ، وهؤلاء أنفسهم لهم صلاحية متميزة خاصة عرفوا بها ، إنهم يعرفون أهل الجنة بسيماهم ، وأهل النار بسيماهم ، فهي خاصية كبرى فريدة ، لا تقاربها خاصية أخرى يومئذ ، تلك الخاصية تنبئ عن القرب الملكوتي من اللّه تعالى ، وتتحدث عن التصرف بأمره تعالى ، فهم يشرفون على الجمع في ساحة البعث ، فيعرفون كل ذات بالسمة المجردة لها ، والمعرفة بها من الأولين والآخرين ، سواء في ذلك من كان منهم في أعلى عليين ، ومن هبط منهم وانحدر أسفل سافلين . وهنا يتحدّد الوعد الآلهي الحق بأنهم المنصورون ، وأنهم المقربون ، وأنهم الشفعاء ، وأنهم الشهداء ، وذلك في تمام الآية مباشرة : وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ الأعراف / 46 . فهذا النداء بهذا الامر إنما تحصل قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة ، وهم يطمعون بدخولها ، وصيغة النداء سلام عليكم . ولا تنفس يومئذ ولا تكلم « هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ » . وحين اعتلاء هذه الحالة آفاق المحشر ، تنحدر الأبصار للطرف الآخر : وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 47 الأعراف / 47 . وقد يقال بأن هذا دعاء أصحاب الأعراف ولا مانع من ذلك أن يتعوذ المؤمن من الكون مع الظالمين ؛ ولكن التدبر في السياق ، وهو يريد أن يتحدث عن منزلة رجال الأعراف وموقعهم في ذلك اليوم يوحي بأن الضمير في « أبصارهم » و « قالوا » يعود إلى أهل الجنة ، لأنهم في تلك الحال يدعون ويتضرعون كما هو شأن الأبرار ، والتوقيت قبل دخول أهل الجنة الجنة ، وقبل دخول أهل النار النار أيضا . وهنا تبدو الحقيقة الأخرى في خطاب أصحاب الأعراف رجالا من أهل النار : وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ 48 الأعراف / 48 . هذا النداء الصادر من أصحاب الأعراف للجمع المتكبر من الجبابرة . . . فيه تقريع لهم ، وشماتة بهم ، وسخرية بواقعهم ، وتأنيب على